ابن عربي
125
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
غازلت من غزلي منهنّ واحدة * حسناء ، ليس لها أخت من البشر يقول : تعشقت من هذه المعارف بمعرفة واحدة علوية ذاتية من مقام المشاهدة ما لها مثل ولا شبه كما قال : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] وقوله : من غزلي ؛ أي الحب صفة لازمة لي ، وقوله : واحدة إشارة إلى عين التوحيد . إن أسفرت عن محيّاها أرتك سنا * مثل الغزالة إشراقا بلا غبر للشّمس غرّتها ، للّيل طرّتها * شمس وليل معا من أعجب الصّور فنحن باللّيل في ضوء النّهار بها * ونحن في الظّهر في ليل من الشّعر يقول : إذا زالت الحجب التي بينك وبينها ظهرن لك سبحات كالشمس صحوا لا يعتريها سحاب كما قال عليه السلام : « ترون ربكم كالشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب » « 1 » ، وقوله : للشمس غرتها ولليل طرتها هو ما تحمله من علوم الشعور أي علوم الرمز والإخفاء مثل أحاديث التشبيه وغير ذلك ، وقوله : شمس وليل معا من أعجب الصور ، يقال : الجمع بين الضدين لا يتصور عقلا وها قد تصور وهو عجب كما قال أبو سعيد الخرّاز وقيل له : بم عرفت ربك ؟ فقال : بجمعه بين الضدين بقوله تعالى : هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] من وجه واحد لا من جهتين مختلفتين كما يقول صاحب علم النظر الواقف مع عقله المتحكم على الحق بدليله هيهات وأين الألوهية من الكون وأين المحدث من حضرة العين كيف يدرك من له شبه من لا شبه له للعقل عقل مثله وليس للحق حق مثله محال وجود ذاتين وإلهين لا يشبه شيئا ولا يتقيد بشيء ولا يحكم عليه بشيء بل ما يضاف إليه إلا بقدر ما تمس حاجة الممكن المقيد إليه غير ذلك من الشمس بعقله فما عرفه كيف يلتمس بأمر هو عقله عاجزا فقيرا مستمدا تعالى اللّه عن إدراك المدركين علوا كبيرا سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ( 180 ) [ الصافات : 180 ] ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] وقوله : فنحن في الليل في ضوء النهار به ، البيت بكماله يقول : عينه شهادة وشهادته عينا في نفس الأمر نظرا إليه لا إلى عقلك ولا إلى إضافتك ولا نسبك وقد أشار صاحب الخلع إلى شيء من هذا في قوله : أي اسم أخذته من الأسماء كان مسمى بجميع الأسماء وسبب التوحيد ذلك العين وعدم التشبيه بالكون وهذا مشهد عزيز لا يناله إلا الأعز من عباده المتوحدين به الذين لا نظر لأنفسهم إلا بعينه والمغيب كونهم في كونه الموحد له لا لهم حينئذ بهذه المثابة عرفت ما أقول فلا تطلب بالعقول ما لا يصح إليه الوصول . وقال رضي اللّه عنه : طلعت بين أذرعات وبصرى * بنت عشر وأربع لي بدرا
--> ( 1 ) سبق تخريجه .